تكتب إليف شافاق، الروائية وعالمة السياسة، أن صورة شاب نافخ للزجاج في إسطنبول ما زالت تلاحق ذاكرتها؛ حين تحطمت مزهرية جميلة بين يديه لأن الضغط كان زائدًا والتوازن مفقودًا، فنبهه معلمه إلى أنه نسي أن للزجاج قلبًا. تستدعي شفق هذه اللحظة لتصف عامًا مثقلًا بأزمات اجتماعية واقتصادية وبيئية وتكنولوجية ومؤسسية، تراكمت بسرعة وقسوة جعلت العالم يبدو مكسورًا، وكأن البشر نسوا أن للأرض قلبًا هي الأخرى.


تشير الكاتبة في الجارديان إلى أن كثيرًا من أزمات اليوم لم تولد فجأة، لكنها في 2024 ترافقت مع موجة ضخمة من الانتخابات شارك فيها أكثر من 1.6 مليار إنسان. غذّت تلك اللحظة آمالًا كبيرة وخطابات حماسية، ودفعت الناخبين للتعبير عن غضبهم، لكنها كشفت في الوقت نفسه أن الديمقراطية لا تقوم على صناديق الاقتراع وحدها، بل على اللغة والمؤسسات والمعايير المحيطة بها. تبدأ انحدارات الديمقراطية، كما ترى شفق، بالكلمات، حين يتحول الخصم السياسي إلى “عدو”، فيتآكل النظام كله.

 

إرهاق عالمي ونظام يتفكك

 

ترى شافاق أن الشهور الاثني عشر الماضية اتسمت بإرهاق عاطفي وفكري عابر للحدود. فقد النظام الدولي الليبرالي وزنه، وظهرت شروخه بوضوح مع تفاقم أزمات السكن وغياب العدالة الاجتماعية وتآكل الثقة. زاد الانهيار المناخي، ومخاطر الذكاء الاصطناعي، واحتمالات أوبئة جديدة، وتصاعد العسكرة والتحالفات المتبدلة، من شعور عام بأن النظام الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية يقترب من نهايته، بينما يخيم شبح عصر نووي جديد على العالم.


“البوليكرايسس” والخطر الأكبر


في 2025 تعمقت الانقسامات، وازداد منطق “نحن” في مواجهة “هم”، في لحظة تواجه فيها البشرية تحديات وجودية مشتركة. تصف شفق قلقًا وجوديًا يستنزف الجميع، شرقًا وغربًا، صغارًا وكبارًا. قد ينجح البعض في إخفاء مشاعرهم خلف واجهات لامعة على وسائل التواصل، لكن القلق يظل واسع الانتشار.

 

صاغ المفكرون مصطلح “تعدد الأزمات” لوصف هذا الزمن. تحذر الكاتبة من أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو الاستسلام للتبلد، وفقدان الحس تجاه معاناة الآخرين في غزة أو السودان أو أوكرانيا، مؤكدة أن الصحافة الصادقة تشكل ترياقًا ضد هذا الخدر، لأنها تبقينا متصلين بالإنسان خلف الأرقام.

 

قصص إنسانية ولمحات أمل

 

تستعرض شافاق لحظات إنسانية تركت أثرًا هذا العام، من الحزن على شجرة “سيكامور غاب” في بريطانيا، إلى الجدل الذكوري حول دموع النساء في الفضاء العام، وصولًا إلى نقاشات شجاعة حول الموت الرحيم. تبرز أهمية القصص القادمة من غزة عن الجوع وسوء التغذية، ومن أوكرانيا عن العائلات التي باغتها الاحتلال، لأن هذه الروايات تفكك الخطاب البارد الذي يختزل البشر في إحصاءات.


تنتقل الكاتبة إلى أزمة المياه، محذرة من أن كابول قد تصبح أول مدينة حديثة ينفد ماؤها بالكامل بحلول 2030، بينما تعاني مناطق أخرى، خصوصًا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من إجهاد مائي حاد. ترى شافاق أن أزمة المناخ هي في جوهرها قصة ماء، وأن النساء والأطفال والفقراء يدفعون الثمن الأكبر.

 

رغم هذا الثقل، تلمح الكاتبة نقاط ضوء: عودة فرقة “أواسيز”، انتشار نوادي القراءة، وإقبال الشباب على هوايات تقليدية في زمن السرعة المفرطة. توحي هذه الظواهر بحاجة جماعية للتباطؤ والتواصل والرعاية.

 

تختم شافاق بصورة فنية مؤثرة: لوحة من القرن الثامن عشر استعادتها الأرجنتين بعد سرقتها زمن النازية، امرأة تنظر إلينا بهدوء رغم ما شهدته من فظائع. ترى في الفن والأدب ملاذًا وبيتًا مشتركًا، وتعود إلى استعارة الزجاج المكسور، مؤكدة أن أكثر الأشياء تحطمًا يمكن صهرها وإعادة تشكيلها، حين نعترف بصدق بما انكسر ونمتلك إرادة الإصلاح.

 

https://www.theguardian.com/world/2025/dec/31/polycrisis-world-care-challenge-2025-courage